الموضوع الأول: منهجية التعليق على نص قانوني

المبحث الأول: الإطار المفاهيمي للتعليق على نص قانوني

المطلب الأول: مفهوم التعليق على نص قانوني 

الفرع الأول: مفهوم التعليق: إن مصطلح التعليق مرتبط في العلوم القانونية بمفهوم معين يميزه عن غيره من المفاهيم وهو ما نبرزه كالتالي:

أولا: تعريف التعليق: هو الفحص الانتقادي لمضمون وشكل النص ويسمى بالفرنسية ( commentaire de texte).

ثانيا: التمييز بين التعليق والتحليل: تحليل النصوص القانونية هو أحد المناهج المتفرعة عن المنهج الاستدلالي والذي ينطلق دوما من مقدمات ثابتة ليترتب عليه نتائج عن طريق القياس والتجريب العقلي والبرهان الرياضي، ومنه فالتعليق يختلف عن التحليل الذي يسمى analyse de texte والذي يعني الدراسة المفصلة للنص  ، وعليه فالأمر هنا يتعلق بمدى عمق الدراسة فالتحليل يذهب إلى أبعد مدى في فهم النص، بينما يعتبر التعليق أقل من ذلك ، كما يشمل التعليق إبداء الرأي بالتأييد او المعارضة للحكم القانوني الوارد في النص وهو ما قد لا يتضمنه التحليل كونه دراسة موضوعية أكثرها منها ذاتية.

ثالثا: أهمية التعليق: تعتبر هذه العملية المنهجية تمرين تطبيقي للأفكار الموضوعية التي درسها الطالب في مختلف المقاييس وتحليلها ومناقشتها سطحيا والمتمثلة في إعادة صياغتها وإبداء الرأي فيها بالتأييد أو المعارضة مع التبرير في الحالتين، وهو ما يتيح لهم الاستفادة من الدروس النظرية التي تلقوها وربطها بالواقع المعاش لهم من قضايا في مختلف المجالات فيجمعون بين النظري والتطبيقي كتمرين قانوني لهم.

الفرع الثاني: مفهوم النص القانوني: ينقسم النص القانوني المعني بعملية التعليق منهجيا إلى نوعين من النصوص:

أولا: النص التشريعي: ونعني به مجموعة القواعد القانونية سواء كانت دولية مأخوذة من معاهدات أو اتفاقيات دولية أو قواعد قانونية داخلية بداية من أعلى نص في الهرم القانوني إلى أدناه ( الدستور، المعاهدات والاتفاقيات الدولية ، التشريع العضوي، التشريع العادي ، التشريع اللائحي).

ثانيا: النص الفقهي: عبارة عن مجموعة من الفقرات المأخوذة كاملة أو جزءا منها من مختلف المراجع المتخصصة في القانون كالكتب ، المجلات ، الموسوعات ، المذكرات أو الجرائد وحتى الأنترنت المهم أنها تشرح وجهة نظر فقيه ، دكتور أو أستاذ متخصص في القانون حول موضع قانوني ما كواقع أو كنص قانوني.

المطلب الثاني: الشروط الواجب مراعاتها في عملية التعليق

إن التعليق القانوني سواء فيما تعلق بالنصوص القانونية أو الأحكام والقرارات القضائية يفترض مراعاة مجموعة من الشروط تتمثل فيما يلي:

الفرع الأول: الشروط العامة للتعليق على نص قانوني

أولا: سعة الاطلاع والثقافة القانونية.

ثانيا: الاستعانة بالدروس والمحاضرات السابقة المرتبطة بموضوع النص القانوني محل التعليق.

ثالثا: القراءة المتمعنة للنص القانوني المراد التعليق عليه.

رابعا: تجسيد ، تطبيق واحترام منهجية إعداد البحوث العلمية الشكلية والموضوعية.

الفرع الثاني: الشروط الخاصة للتعليق على نص قانوني

أولا: شرح أهم المصطلحات في النص القانوني.

ثانيا: وجوب التقيد بالمصطلحات التي جاء بها النص دون التطرق إلى غيرها.

ثالثا: الدقة في طرح الإشكالية القانونية التي يعالجها النص.

رابعا: إقامة خطة متوازنة شكلا وموضوعا لمعالجة موضوع النص القانوني.

خامسا: إبداء الرأي اتجاه النص سواء بالتأييد أو المعارضة.

سادسا: عدم إعادة ما جاء في النص دون أي تغيير فيه وإلا أصبح عمل الطالب لا معنى له.

المبحث الثاني: مراحل التعليق على نص قانوني

المطلب الأول: المرحلة التحضيرية للتعليق على نص قانوني

يتطلب التعليق على نص قانوني وجوب المرور بمرحلتين اثنتين أساسيتين:

الفرع الأول: التحليل الشكلي لنص قانوني: الهدف منه التحضير لفهم النص القانوني محل التعليق حتى تتم عملية التعليق بشكل جيد وواضح بالنسبة للطالب.

أولا: تحديد نوع النص القانوني: إن كان نصا تشريعيا أم فقهيا.

ثانيا: تحديد المصدر الشكلي: ذكر بيانات المرجع المأخوذ منه النص القانوني وفقا للقواعد المنهجية التي تعلمناها في قواعد التهميش وتكتب بنفس الطريقة والترتيب حسب نوع المرجع.

ثالثا: تحديد المصدر المادي: يكون بتحديد منبعه الأصلي أو المبدأ الذي يقوم عليه سواء كان مستمدا من نص قانوني كما هو الحال بالنسبة للقانون الجزائري المستمد من التشريع المصري والفرنسي أو من أحكام الشريعة الإسلامية أو من مبادئ قانونية عامة. نميز هنا بالنسبة للمصدر المادي بين كل من:

أ/ النص التشريعي: ومصدره كما ذكرنا آنفا إما نصوص قانونية أو مبادئ عامة أو أحكام الشريعة الاسلامية.

ب/ النص الفقهي: فيحدد مصدره المادي بالبحث في انتماءات كاتبه الفكرية والمذهبية، بذكر الاتجاه الفكري المنتمي إليه أو النظرية العلمية التي يتبعها أو المذهب الفكري الذي يسانده.

يقوم الباحث بشرح التوجه الفكري للمؤلف والنظرية التي بنى عليها أفكاره ، وهو ما يساعده على فهم توجهه والقواعد التي بنى عليها قناعاته الفكرية القانونية التي تأثر بها الكاتب.

الفرع الثاني: التحليل الموضوعي للتعليق على نص قانوني

أولا: شرح المصطلحات: ينبغي شرح المصطلحات المهمة أي المفتاحية في النص محل التعليق شرحا قانونيا صحيحا حتى تسهل عملية الفهم ومن ثمة التعليق.

ثانيا: استخراج الفكرة العامة: يقوم الطالب بقراءة النص القانوني وفهمه جيدا ثم وضع الفكرة العامة له.

ثالثا: استخراج الأفكار الرئيسية: بعد وضع الفكرة العامة يقوم الطالب وحسب عدد فقرات النص القانوني واتفاقها في المضمون بإعطاء لكل فقرة مستقلة بمعناها وفحواها فكرة جزئية حتى يكمل كل فقرات النص القانوني محل التعليق.

المطلب الثاني: المرحلة التحريرية للتعليق على نص قانوني

تتبع المرحلة التحضيرية بالمرحلة التحريرية التي يتناول فيها الطالب التفصيل في جزئيات النص القانوني والتعليق عليها وذلك وفقا للمنهجية التالية:

 

الفرع الأول: الجانب الشكلي للمرحلة التحريرية في التعليق على نص قانوني

يتوجب على الطالب وضع خطة لموضوع النص القانوني مكونة من: مقدمة ، المتن والخاتمة ، مع مراعاة القواعد المنهجية الشكلية والموضوعية في إعداد البحوث العلمية التي درسناها خلال هذا السداسي وحتى قبله ، معتمدين على خطة منهجية متوازنة من حيث الشكل والموضوع معا ، كما ينبغي أن تكون الخطة نظرية بحتة.

ثانيا: الشروط الموضوعية الواجب مراعاتها في المرحلة التحريرية: ينبغي مراعاة مجموعة من الشروط نذكرها فيما يلي:

أ/ موافقة الخطة لموضوع النص ومعالجتها لكافة عناصره.

ب/ عدم احتواء الخطة والمتن على أفكار وعناوين متكررة.

ج/ المناقشة الجادة والموضوعية لنقاط النص القانوني.

د/ إبداء الرأي حول النقاط محل المناقشة بالتأييد أو المعارضة.

تشتمل عملية التعليق على نص قانوني على عمليتين: الأولى هي عملية التفكيك حيث تتم دراسة كل عنصر بشكل مفصل ومسهب يتعرض فيه الطالب لكل ما له علاقة بموضوع النص حتى الآراء الفقهية السابقة ، ليقدم في نهاية البحث خاتمة له تتضمن حوصلة وخلاصة مدعمة برأيه الشخصي وهي العملية الثانية المتمثلة في عملية التركيب.

نقاط المقارنة

النص التشريعي

النص الفقهي

الشكل

مجموعة من القواعد القانونية المنظمة وفقا شكليات وتقسيمات معينة

مجموعة من الفقرات التي تحترم قواعد اللغة المتخصصة

المصدر

المشرع

الفقيه

المضمون

أحكام قانونية تنظم سلوكات الأشخاص القانونية

نظرية ، مذهب أو إيديولوجية خاصة بالفقيه القانوني يدعمها بحجج وبراهين

الآثار

قواعد آمرة ملزمة

غير ملزم

 

الموضوع الثاني: التعليق على حكم أو قرار قضائي.

إن التعليق على الأحكام والقرارات القضائية يتطلب أمرين: الأول إلمام الطالب أو الباحث بكل المعلومات النظرية المتعلقة بالموضوع محل الحكم أو القرار ومن ثمة التعليق عليه ، الثاني: الاستيعاب الجيد لمنهجية التعليق على الأحكام والقرارات القضائية.

يعتبر التعليق على الأحكام والقرارات القضائية من الأعمال الفقهية بالدرجة الأولى ويتدرب طلبة القانون على منهجية التعليق عليها لإكسابهم القدرة القانونية وضمان الاستيعاب وتكوين الملكة القانونية بصفة عامة والقدرة على ربط النص بالواقع خاصة.

المحور الأول: الشروط العامة للتعليق على حكم أو قرار قضائي: للتعليق على الحكم أو القرار القضائي ينبغي مراعاة ما يلي:

أولا: الاطلاع على كل النقاط النظرية حول موضع القضية

ثانيا: عرض موجز لوقائع القضية التي تمثل صلب الموضوع.

ثانيا: استنباط مجموعة المبادئ القانونية التي تم تطبيقها على تلك الوقائع.

ثالثا: إبراز أوجه القياس المنطقي الذي أدى بالقاضي إلى إصدار الحكم أو القرار على نحو الوارد فيه.

رابعا: الملاحظة الموجزة للمراحل الإجرائية للدعوى التي صدر في شأنها الحكم أو القرار.

خامسا: اعتماد المنطق الصوري في عملية التعليق بالانطلاق من المقدمة الكبرى المتمثلة في النص القانوني والمقدمة الصغرى التي تشكل القضية محل النزاع ليصل الطالب للاستنتاج المتمثل في الحكم أو القرار الذي توصل إليه القاضي ومن ثمة يمكنه مناقشته من حيث الصحة والعكس.

المحور الثاني: مراحل التعليق على حكم أو قرار قضائي

تفصيلا لما سبق ذكره من شروط يتوجب مراعاتها نعرض أدناه المراحل التي تمر بها عملية التعليق على الحكم أو القرار القضائي وفقا لمرحلتين نوضحهما كالآتي:

 

 

 

أولا: المرحلة التحضيرية للتعليق على حكم أو قرار قضائي

أ/ أطراف القضية: ذكر طرفي القضية بالأسماء والألقاب وعادة تذكر بالحروف احتراما لعدم الإساءة للآخرين ، مع تحديد صفة كل منهما في القضية ويكون ذلك حسب المرحلة التي تكون عليها الدعوى: مدعي ومدعى عليه / مستأنف ومستأنف ضده / طاعن ومطعون ضده.

ب/ الوقائع: نذكر كل الوقائع التي كانت سببا في المتابعة القضائية سواء المادية منها أو القانونية والتي نستنبطها من حيثيات الحكم أو القرار القضائي مع مراعاة ذكرها مرتبة ومتسلسلة تسلسلا زمنيا ومنطقيا ، كاملة دون إغفال أي منها ، عدم الحكم عليها مسبقا وتحديد تاريخها.

ج/ الإجراءات: تذكر كل الإجراءات الإدارية والقضائية محددين نوعها ، تاريخها ، القائم بها وأمام من تم اتخاذها وهي أيضا تستنبط من الحكم أو القرار القضائي ، تذكر متسلسلا ومرتبة ترتيبا زمنيا وحسب نوعها الإدارية ( إن وجدت ) والقضائية.

د/ الادعاءات: يقصد بها مزاعم كل طرف في القضية فنذكر:

1_ ادعاءات المدعي: طلباته في القضية والتي جاء يطلب الحكم بها.

2_ ادعاءات المدعى عليه: وهي الدفوع المقدمة من الخصم الذي رفعت الدعوى ضده.

ه/ المشكل القانوني: من خلال القضية نستطيع أن نحدد العنصر الذي كان محلا للنزاع بحيث نقوم بصياغة المشكل القانوني بشكل يجمع بين ما تلقيناه من دروس نظرية حول الموضوع ومجريات القضية التي جمعت الخصوم مما يفترض طرح المشكل القنوني بصيغة نظرية تطبيقية ويمكن أن يكون في سؤال واحد أو عدة أسئلة.

و/ الحل القانوني: ويتمثل في منطوق الحكم أو القرار من حيث الشكل والموضوع.

ثانيا: المرحلة التحريرية للتعليق على حكم أو قرار قضائي

تقتضي التفصيل الكامل في عناصر القضية بدراستها ضمن خطة بحثية متوازنة شكلا وموضوعا تعتمد عناوين كاملة غير متكررة ،  تجمع بين النظري الذي درسه الطالب والتطبيقي المتعلق بالقضية ذاتها فتكون العناوين بينهما مما يقتضي تجنب العناوين النظرية ، تتضمن الخطة والمتن أجوبة تفصيلية للأسئلة محل الطرح من طرف الطالب والتي تناقش في ذات الوقت ما توصل إليه القاضي حين فصله في القضية من حكم او قرار ومدى ملاءمته للنص القانوني المتعلق بالنزاع ، مع مراعاة كل الشروط الشكلية والمنهجية في البحوث العلمية المدروسة.

ثالثا: الخاتمة: تحتوي خاتمة الموضوع إجابة تركيبية مختصرة للنزاع وفقا لما توصل إليه القاضي مع دعم ذلك بالرأي الشخصي لطالب.